محمد الحميدي
469
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
الخطيب ، وقال لي : كان عطية زاهدا ، وكان لا يضع جنبه على الأرض وإنّما ينام محتبيا . قال أبو الفضل : ومات في سنة ثلاث وأربع مائة ، فيما أظن . هذا آخر كلام أبي بكر الخطيب . قال لي أبو محمد بن حفصون : ثم خرج عطية من بغداد إلى مكة ، فأخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشّيرازيّ ، قال : لقيت عطية الأندلسيّ ببغداد ، وصحبته ، وكان من الإيثار والسّخاء والجود بما معه على أمر عظيم ، إنّما يقتصر من لباسه على فوطة ومرقّعة ، ويؤثر بما سوى ذلك ، وكان قد جمع كتبا حملها على بخاتيّ كثيرة . قال عبد العزيز : فرافقته وخرجنا جميعا إلى الياسريّة وليس معه إلّا وطاؤه وركوته ، ومرقّعته عليه . قال : فعجبت من حاله ، ولم أعارضه ، فبلغنا إلى المنزل الذي نزل فيه الناس ، وذهبنا نتخلّل الرّفاق ونمرّ على النازلين ، فإذا بشيخ خراسانيّ له أبّهة وهو جالس في ظلّ له ، وحوله حشم كثير ، قال : فدعانا وكلّمنا بالعجميّة ، وقال لنا : انزلوا ، فنزلنا وجلسنا عنده ، فما أطلنا الجلوس حتّى كلّم بعض غلمانه ، فأتى بالسّفرة فوضعها بين أيدينا ، وفتحها وأقسم علينا ، فإذا فيها طعام كثير وحلاوة حسنة ، فأكلنا وقمنا . قال عبد العزيز : فلم نزل على هذه الحال ، يتّفق كلّ يوم من يدعونا ويطعمنا ويسقينا إلى أن وصلنا إلى مكة ، وما رأيته حمل من الزاد قليلا ولا كثيرا . قال : وقرئ عليه بمكة « الصّحيح » لمحمد بن إسماعيل البخاريّ ، روايته عن إسماعيل بن محمد الحاجبيّ ، عن الفربريّ ، عن البخاريّ ، وكان أبو العبّاس أحمد بن الحسن الرّازي الحافظ المفيد « 1 » هو الذي يقرأه عليه .
--> - 8 / 157 ، والذهبي في تاريخ الإسلام 9 / 663 . ( 1 ) في طبعة الشيخ ومن طبع عنه : « المقيّد » ! ولا معنى لها ، والمفيد هو الذي يفيد الطلبة ويدلهم على الشيوخ ، وهو معروف في الحركة العلمية الإسلامية .